عبد الملك الجويني

345

الشامل في أصول الدين

فأما الذين فسروا الظهور بقريب من مذاهب الإسلاميين في استواء اللّه على العرش ، فقد أبعدوا النجعة ، وطمعوا في غير مطمع . فإن المعنى بالاستواء عند ذوي التحقيق : القهر ، والاقتدار ، وعلو القدر . فإن فسروا الظهور على عيسى بذلك ، فلا اختصاص له إذا ، إلا أن يخصص بالذكر تشريفا ، كما جرى ذلك في العرش ونحوه ، ولا نراهم يخبرون بذلك . ومن حمل الاستواء ، من المنتمين إلى فئتنا ، على المحاذاة أو المماسة - تعالى اللّه عن قولهم - فهو يخالف مذهب النصارى . فليس لهم استرواح إلى شيء من ذلك ، فاعلموه . شبهة النصارى في الاتحاد محصول قولهم ، وإن كثرت العبارات ، يؤول ويرجع إلى ما ظهر على عيسى عليه السلام من الآيات والمعجزات . فيقولون : لما اختص عيسى ، من بين كافة الناس بإبراء الأكمة « 1 » ، والأبرص « 2 » ، والإنباء عن الغيوب ، وإحياء الموتى ، وكانت هذه الأشياء تقع على حسب قصده واختياره ، وعلى موجب مراده وارتياده ، كما كانت سائر أفعاله واقعة عن اقتداره وإيثاره ، وإنما استبان ذلك من حيث وقعت على حسب اختياره . ولو جاز المصير إلى أن الآيات الواقعة على حسب القصد والاختيار ، لم تكن من فعله ، لجاز ادعاء ذلك في سائر الأفعال المعتادة . فإذا بنوا عند أنفسهم بهذه الطريقة ، أن الآيات ، وخوارق العادات ، كانت من فعله ، رتبوا عليه مرامهم وقالوا : قد أعطيتمونا أن إحياء الموتى ، وإبراء الأكمة والأبرص ، وليس من قبيل مقدورات البشر ، فيجب أن يكون المقتدر عليها متصفا باللاهوت . وهذا الذي ذكروه وإن احتوى على جميع شبههم ، فلا محصول له ، وهو متركب من الدواعي المحضة . وأما قولهم : إن الآيات كانت تظهر على حسب قصده . فهذا سديد لا مناقشة فيه ، وبه تتميز المعجزات عندنا من الكرامات على بعض التفاصيل . وأما الذي رتبوا على ذلك ، من ادعاء كونها مقدورة له ، ففيه التنازع . وذلك أنا نقول أولا : ما كان ، صلوات اللّه عليه ، يظهر شيئا من الآيات ، حتى يبتهل إلى اللّه عز وجل ، ولا يألوا في الرغبة إليه جهدا ، حتى يظهر اللّه ما سأل بعد إلحاقه في السؤال ، وإحفائه فيه . وصح عندنا في الأقاصيص أنه ، صلوات اللّه عليه ، كان يقدم على ما يريد إظهاره ، من إحياء الموتى ، صلاة للّه تعالى ، يخنع فيها ويخضع ، ويسمي اللّه بما علّمه اللّه . فإن ادعى النصارى

--> ( 1 ) الأكمة : من ولد أعمى ، أو من فقد بصره . ( 2 ) البرص : بياض يظهر في الجسد لعلة .